الثورات العربية: كيف نضمن عدم عودة الاستبداد
بقلم: ياسين عز الدين
يشكل الخوف من إعادة إنتاج الأنظمة المستبدة في الدول العربية أهم الهواجس التي تشغل بال المفكرين والسياسيين والمواطن العادي، فلا يعقل بعد كل هذا المخاض وكل هذه الدماء التي بذلت أن نعود وننتكس إلى الوراء وكأن شيئاً لم يكن، ولعل هذا أحد أسباب توقف الثورات في دول محددة دون اندلاع ثورات جديدة، فالكل يترقب والكل يريد أن يطمئن وخاصة أن ثمن الثورات كبير وليس بالهين ولا أحد يريد الدخول في مغامرة خاسرة.
يجب علينا إدراك أن أنظمة الاستبداد التي ابتلينا بها لم يكن عيبها فلان وعلان، فمجرد استبدال الوجوه لا يعني شيئاً، وهي لم تكن مجرد صنيعة للاستعمار الغربي فلولا أننا كنا تربة خصبة ولدينا "القابلية للاستعمار" لما استطاع الاستعمار اختراقنا من خلال هذه الأنظمة، ما يصنع الاستبداد وما يبني مؤسسة الاستبداد هو الفشل ببناء نظام تعددي سياسي حقيقي يكون هدفه خدمة الشعب والمجتمع، وهذا له عوامله العديدة لكن أهمها يعود إلى الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة.
ولعل أحد أهم العوامل المؤدية للاستبداد هو الاعتقاد الذي يتبناه الكثير من أبناء التيارات السياسية والفكرية المختلفة بأن ما يحملوه من فكر لا يحمل صفة السمو والقداسة فحسب بل هم من يمثلونه بشكل حصري، وبالتالي فأي انتقاد يوجه إليهم فهو يوجه للفكرة التي يحملونها، وهذا ما يمكن أن نسميه "ذوبان العقيدة في شخوص أفراد." وهذا الخلل ينتشر بشكل أكبر بين الجماعات العقائدية (بمختلف تنوعاتها) أكثر من غيرها، سواء تكلمنا عن يساريين أو إسلاميين أو قوميين أو علمانيين.
وعندما نتكلم عن الربيع العربي فإننا نلحظ بشكل قوي وملحوظ صعود التيار الإسلامي، واستعداد الإسلاميين لاستلام الحكم في أكثر من بلد عربي في ظل منافسة شبه معدومة، وهنا يكمن خطر عودة الاستبداد بأشكال جديدة، ليس لأن الإسلاميين سيئيين، وليس لأنهم غير مهيئين للحكم، بل لأن الثقافة السياسية في مجتمعاتنا العربية ما زالت كما هي تقريباً، ولم تغيرها الثورات العربية حتى الآن، وهذه الثقافة التي أنتجت ديكتاتوريات باسم الاشتراكية والعلمانية والتقدم ومحاربة الإمبريالية ستنتج ديكتاتوريات جديدة باسم الجماعات الإسلامية ما لم تتغير وما لم يتغير تفكير الناس.
لذا يجب أن يحذر الإسلاميون من الوقوع بنفس الخطأ الأساسي والجوهري الذي وقع به من قبلهم، نقدر فرحتهم بهذه التغيرات ونتفق معهم بأن الشعبية الجارفة التي يتمتعون بها تعود لتوق الشعوب العربية إلى الإسلام والحكم بالإسلام، وهنا مربط الفرس فلا يجوز أن يشعر الإسلاميون بأنهم أفضل من غيرهم (حتى لو كانوا كذلك)، ويجب أن يفرقوا بين قدسية الإسلام وسموه وبين أنفسهم كبشر معرضين للزلل والخطأ، هم يدعون لفكرة مقدسة لكنهم كأشخاص وتنظيمات وجماعات ليسوا مقدسين ولا يقبل أن يشعروا بأنهم مقدسون أو فوق الانتقاد.
وهنا نستحضر ما حصل مع الثورات العربية في الخمسينات والتي أتت بالقوميين واليساريين للحكم في عالمنا العربي، فالعديد من قادة هذه الثورات والذين انخرطوا في الحكم لاحقاً كانت بداياتهم طيبة (وربما كانت نواياهم سليمة لا أحد يدري)، لكن ما حصل أنهم اختزلوا كل شيء في شخوصهم، فأصبح من يعارضهم عميل للاستعمار والرجعية والإمبريالية ومتآمر ويقول كلمة حق يراد بها باطل، بالنهاية أصبح المقدس ليس قيم العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستعمار بل النظام وأزلام النظام، وهذه قيم يتشبع بها أبناء النظام والحزب الحاكم وأتباع "القائد الرمز الملهم".
وهذا ما يفسر إستماتة من يقاتل دفاعاً عن بعض الأنظمة المستبدة وخاصة ذات الطبيعة العقائدية، فهم يحملون قيم يؤمنون بها وهي قد تكون قيم إيجابية ونتفق معهم عليها، لكنهم يعتبرون أن المطالبة بالحرية أو بالإصلاح معناه محاربة كل هذه القيم العليا، فيصبح المطالب بالحرية عميلاً للكيان الصهيوني.
وفي أحد مقاطع الفيديو التي تظهر تعذيب جنود لأحد المعتقلين كان يصيح هذا المعتقل أنه يحب الرئيس، في محاولة منه لاستعاطفهم لعلهم يخففوا من تعذيبه، فرد عليه الجنود "ما بدنا تحبه" و"حبوا حالكم بالأول"، والجملة الثانية تخبرنا عن ما يدور في عقولهم فمن يتمرد على النظام هو عدو نفسه لأن النظام ولو كان ظالماً أو مجرماً هو وحده الذي يعرف مصلحة الناس وما يصلح لهم وما لا يصلح لهم.
لذا يجب أن ننشر ثقافة سياسية لا تقبل أي شكل من أشكال الوصاية أن يأتي حزب حاكم أو تيار سياسي (ولنقل التيار الإسلامي) ويعتبر نفسه وصياً على المجتمع، وأنه وحده الذي يملك الحقيقة والصواب وما دونه هو الباطل، فالكل يجب أن يكونوا سواسية والكل بالغون عاقلون راشدون، لا يوجد مجتمع قاصر يحتاج لوصي عليه ولا يوجد أشخاص فوق الانتقاد والمساءلة.
فالإسلام هو الحل شعار جميل نؤمن به ونسعى لتطبيقه، لكن إن جاء أحد ما وقال لن أنتخب الإسلاميين (إخوان أو سلفيين أو أي كان) فلا يعني أنه يحارب الإسلام لمجرد أنهم يرفعون هذا الشعار، فالشعار لا يضفي الحصانة على من يرفعه، وإن نجح بتطبيقه أو فشل فهذا أمر من اجتهاد البشر واجتهاد البشر قد يصيب وقد يخطئ.
البعض يريد أن يجعل الدولة والنظام والمجتمع حكراً على الإسلاميين ويخرج من تبقى إلى الهامش والخارج، وربما كان هذا ممكناً عندما كان الإسلاميون مجرد جماعات وتنظيمات فلينعزلوا كما يشاؤون فلا يؤذون أحد، أما عندما يصبحون في الحكم ويتحكمون بمقاليد السلطة فهذا مدخل للاستبداد والتفرقة بين الناس، ويجب أن يدرك الإسلاميون أن عدم انتماء حزب أو شخص للتيار الإسلامي لا يعني أنه معادٍ للدين أو علماني حاقد على الإسلام، فمجتمعاتنا تحفل بأشخاص وأحزاب وتيارات لا ينتمون للتيار الإسلامي لكنهم محافظين ويحملون صفات التدين والولاء للإسلام.
طبعاً هذا لا يعني أن لا يدافع الإسلاميون عن معتقداتهم ولا يعني أن يتنازلوا عما يؤمنون به إرضاء للآخرين، ولا حتى أن يستميتوا بالدفاع عن مواقفهم أو تبرير أخطائهم، لكن ليكن دائماً حاضراً في ذهنهم أنهم بشر وأن من ينتقدهم لم يكفر ولم يخرج من الملة، حتى لو كان مخطئاً أو متحاملاً أو مفترياً.
ما دمنا نفصل بين العقيدة التي نؤمن بها وبين شخوصنا، فسنكون بعيدين عن الاستبداد وبعيدين عن ارتكاب الجرائم بحجة أن فلان عميل أو كافر أو مدسوس، وسنكون بعيدين عن تقديس الأشخاص والهيئات، فمن يقدس شخصاً أو حزباً من أجل المبادئ التي يحملها هذا الشخص فسينتهي به الأمر إلى التخلي عن المبادئ والتمسك بتقديس الشخص.
للاستبداد أسباب عديدة وركزنا النقاش على واحد من أهمها (إن لم يكن أهمها على الإطلاق)، لكن يجب معالجة باقي الأسباب مثل توأم الاستبداد أي الفساد، وغياب ثقافة الحوار والتعاون، وعدم احترام المال العام واعتباره مشاعاً لمن أراد، وتدخل الأمن في كافة مجالات الحياة، وغيرها من الأسباب التي ربما نناقش بعضها في مقالات لاحقة بإذن واحد أحد.
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "فلسطين من النهر الى البحر".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestinefromtherivertothesea@googlegroups.com
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestinefromtherivertothesea?hl=ar
No comments:
Post a Comment