موقف حماس من الثورة السورية
بقلم: ياسين عز الدين
أثارت تصريحات خالد مشعل بخصوص موقف حركته من الثورة السورية، ومن قبلها بيان حركة حماس الذي صدر بعد تفجيرات دمشق، جدلاً بين من يصف هذه المواقف بالمتوازنة والدقيقة ومن يصفها بأنها لم ترق إلى مستوى الحدث ولم تلب مطالب الشعب السوري.
كما اعتبر البعض أن توقيت بيان حركة حماس بعد تفجيرات دمشق لم يكن موفقاً، لأنهم رأوا فيه موقفاً داعماً للنظام، بالرغم من أن التفجيرات أدانها ثوار سوريا بل وذهب بعضهم لاتهام النظام بتدبيرها.
بداية من الضروري التأكيد على أن كلام مشعل وبيان حماس لا يحملان مواقف مؤيدة لما يقوم به النظام ضد الشعب السوري، وأن اللوم والعتب بسبب عدم دعم حماس الثورة السورية بكل وضوح وصراحة.
المتأمل جيداً للتصريح وللبيان يجد أن حماس ما زالت حريصة على عدم الدخول في دوامة التجاذبات الداخلية في أي بلد عربي وما زالت تعطي هذا الموقف الأولوية، لكن نجد عناصر كثيرة في البيان وتصريحات مشعل تدعم الثورة السورية، وإن بدا للبعض العكس.
البعض تساءل عن توقيت البيان وأنه جاء رداً على التفجيرات، وهنا نشير إلى أن حماس عادة ما تدين التفجيرات في أكثر الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية، ومن الناحية الأخرى تفجيرات دمشق أدانها الجميع بمن فيهم الثوار السوريون.
والسؤال هل تبنت حماس الرواية الرسمية عندما أدانت التفجير؟ لدى مراجعة البيان نرى أن القسم الأكبر من البيان لم يتطرق إلى التفجير، سوى جملة يتيمة تدين التفجيرات بدون الإشارة لهوية المنفذين.
أما ما تبقى من البيان فقد أشار إلى دور حماس في محاولة إيجاد حل سياسي لما يحصل في سوريا، وكلام حماس عن حل سياسي ينسف الرواية الرسمية السورية من أن ما يحصل في سوريا هو من فعل بعض الجماعات المسلحة المندسة، لأنه لو كانت الثورة السورية هي مجرد جماعات مسلحة مندسة من الخارج فلا يمكن حل المشكلة إلا بالحلول الأمنية.
وأكد البيان على أن الحل السياسي الذي سعت له حماس يجب أن "يحقِّق للشَّعب السوري تطلّعاته في الإصلاح والديمقراطية"، الان قد يقول قائل أن النظام غير قابل للإصلاح وأنه من المرفوض الحوار معه وقد غرق بالدماء، والبعض قد يقول أن أي حوار مع النظام يجب أن يقوم على مبدأ واحد ووحيد وهو تنحي بشار الأسد وتفكيك النظام، كل هذا كلام صحيح وصائب، لكن يجب أن يصدر بالدرجة الأولى عن الشعب السوري، ولو صرحت حماس بهذا الكلام ستصبح طرفاً في الصراع وهنا نكون قد حملنا حماس فوق طاقتها.
وإذا انتقلنا لتصريحات خالد مشعل، وتمسك البعض بنصف جملة قالها: "نحن أوفياء للنظام السوري"، على طريقة ولا تقربوا الصلاة، فمن الضروري أن نفهم السياق الذي قيلت فيه هذه الجملة المبتسرة، وما الذي أراد إيصاله مشعل.
جاء كلام مشعل خلال لقاء على فضائية الجزيرة كان مخصصاً للقضية الفلسطينية وليس عن الشأن السوري، وفي نهاية اللقاء سأل مقدم البرنامج مشعل عن موقف حماس من الثورة السورية، وبالرغم من أن خالد مشعل تكلم لأكثر من ستة دقائق شارحاً موقف حركته من الثورة السورية، وبالرغم من تأكيده على قضايا هامة تدعم موقف الثوار إلا أن البعض توقف عند جملة واحدة "نحن أوفياء للنظام السوري"، وكأنه لم يكن هنالك غيرها.
من الضروري أن نشير إلى الشق الثاني من الجملة والتي أسقطها الكثير، وهي "لكن نحن أوفياء أيضاً للشعب السوري"، وهذا الاستدراك هو أهم وأبلغ من الجملة الأولى، لأنه فعلاً النظام السوري احتضن حماس في أحلك الظروف وأصعبها وقدم لها كافة التسهيلات، وحتى في اللحظة التي أجبر النظام تحت ضغوط أمريكية على إغلاق مكاتب حماس والجهاد في سوريا عام 2003م كان الإغلاق شكلياً وإعلامياً فيما سمح للحركتين بالعمل بدون ضجة إعلامية.
ما أراد أن يوصله مشعل أنه بالرغم من هذا الفضل والجميل للنظام السوري على حركته فهو لن يدعم النظام في مواجهة شعبه مقدماً حرية وتطلعات الشعب السوري على رغبة النظام بقمع الثورة، خالد مشعل كان يصف واقعاً عندما قال كلمته ولم يكن مطلوباً منه الكذب والتنكر لما قدمه النظام لحماس، ولم يكن يعلن موقفاً سياسياً بأنه وفي للنظام السوري وسيدعمه حتى آخر مدى مثلما قال حسن نصر الله بأكثر من مناسبة.
المهم هو استدراكه وما يعنيه هذا الاستدراك أنه مهما فعل النظام لخدمة المقاومة الفلسطينية فهذا لا يعفيه من مسؤولية ما يرتكبه من مجازر وجرائم بحق الشعب السوري، وأكد خالد مشعل خلال اللقاء على أن حماس كانت تأمل في بداية الثورة السورية أن يتم التعامل معها بطريقة مختلفة (عن ما حصل في مصر وليبيا) وأن تتم الاستجابة لتطلعات الشعب السوري بالإصلاح والديموقراطية والحرية، لكن كان قرار القيادة السورية في مسار آخر.
إذن مشعل يتكلم عن حل سياسي في سوريا ويقر ضمناً بأن النظام السوري أخطأ بالتعامل مع الوضع الداخلي السوري مع تأكيده على أن حماس لا تتدخل بالشأن الداخلي السوري. وقد يتساءل البعض وهل دماء الشعب السوري التي تسال هي شأن داخلي؟ وهنا نسأل بالمقابل مَن مِن العرب والمسلمين وقف مع حماس عندما خاضت الصراع ضد فتح؟ من يقف مع معتقلي حماس السياسيين في الضفة الغربية؟
أغلب الجهات الرسمية العربية والإسلامية (إن لم يكن جميعها) سواء كانت أحزاب وحكومات حريصة على أخذ مواقف تساوي بين حماس وفتح، وعدم الانحياز العلني لصالح حماس بما فيه الأنظمة التي تدعم وتؤيد حماس (مثل سوريا وقطر والسودان وجماعة الإخوان المسلمين)، فلماذا اعتبرنا عدم تدخل الدول والأحزاب بالشأن الفلسطيني الداخلي قراراً حكيماً وقرار حماس بعدم التدخل بالشأن السوري تخاذلاً وتثبيطاً؟
طبعاً هنالك الكثير من الأفراد والأشخاص على امتداد العالم العربي دعموا حماس ووقفوا جهرة إلى جانبها في مواجهة الهجمة الفتحاوية الصهيونية، وأيضاً في الثورة السورية العديد من الأفراد والمثقفين المحسوبين على حماس وقفوا ودعموا الثورة السورية بكل وضوح، ولا نبالغ إن قلنا أن جميع القاعدة الشعبية لحركة حماس تقريباً تقف في صف الثورة السورية، وبعض وسائل إعلام الحركة تخرق قرار قيادتها بالحياد وعدم التدخل وتدعم بشكل علني الثورة السورية.
وإذا تكلمنا عن أبرز الكتاب والمثقفين المحسوبين على حماس نجدهم يدعمون الثورة السورية بدون أدنى تردد سواء تكلمنا عن إبراهيم حمامي أو ياسر الزعاترة أو عزام التميمي أو رسامة الكاريكاتير أمية جحا. وعندما نتكلم عن ياسر الزعاترة فهو قد عرف عن دعمه الدائم لمحور الممانعة ودفاعه عن إيران في وجه التحريض العربي عليها، لكنه قالها وبكل صراحة ووضوح أن دعمه المستمر للممانعة والمقاومة لا يعني السكوت عن جرائم النظام السوري، ولا يرى تناقضاً بين دعمه للممانعة والمقاومة وبين دعمه للثورة السورية، وهكذا يجب أن تكون الأمور.
الثورة السورية يحسمها الشعب السوري من الداخل، ولن يحسمها خالد مشعل ولا أردوغان ولا ضربات جوية دولية ولا جامعة الدول العربية، ومن يبحث عن حلول من خارج سوريا فهو يضيع وقته، ويجب تركيز الجهود على إقناع المترددين من الشعب السوري بالانضمام للثورة السورية بدلاً من ملاحقة زعماء ودول الخارج من أجل تصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع.
تصريحات مشعل التي لم تدغدغ عواطف الثوار السوريين ممكن أن تساعدهم في استقطاب المترددين من أبناء الشعب السوري، ويستطيعوا التقاط الجوانب المفيدة لهم والتركيز عليها، وهذا يفيدهم أكثر من خطاب عاطفي عاصف يهاجم النظام ويصفه بأقذع الأوصاف، لأن مثل هذه الخطابات لا يستمع لها المترددين أو بقية الشرفاء الموالين للنظام.
ونقول للثوار سوريا أن هنالك فرق بين من يقف معك لكنه لا يستطيع قول ذلك علناً، وبين من يقف مع النظام وصرح بذلك وجاهر به علناً، وأن صديقك هو من صدَقك لا من صدَّقك.
وفي المقابل أتمنى من كل من لا زال يدافع عن النظام السوري، ولا زال يختلق له الأعذار أن يكف عن العبث بعقله، وليتدبر كلام خالد مشعل والمأزق الذي حشر به النظام السوري مشروع المقاومة ككل بسبب عناده وإصراره على مقابلة تطلعات الشعب السوري بالعنف والقمع، هذا النظام لم يعد قابلاً للإصلاح وكفاكم أحلام يقظة.
سواء كان هنالك مؤامرة خارجية أم لم تكن، فالنظام السوري بتصرفاته الرعناء يتحمل وزر كل قطرة دم تسيل في سوريا، واستمرار دعمكم للنظام لا يعني إلا استمرار سقوط الدماء والمقامرة بمصير مشروع المقاومة ومصير سوريا.
بيان حركة حماس:
http://palestine-info.info/ar/default.aspx?xyz=U6Qq7k%2bcOd87MDI46m9rUxJEpMO%2bi1s7bU3x4LF0DOtev%2fRzW9Nvj4AdWh3%2f4jXmwwL2S8ru%2bqvzgVjhmVXxzDGr16eoHUWks2Ko8mbBcXbQlef23P4vAO02DDLVEVmzHCGQJS2ZBOk%3d
مقابلة خالد مشعل:
http://www.youtube.com/watch?v=APLc-PIhSNA
المقالة منشورة هنا:
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "فلسطين من النهر الى البحر".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestinefromtherivertothesea@googlegroups.com
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestinefromtherivertothesea?hl=ar
No comments:
Post a Comment