رغم كل الدماء الزكية التي سالت في الثورات العربية في ميادين العز وسطرت صفحات مجد في التاريخ العربي الإسلامي ومعها بدأت الأمة تأخذ دورها الطبيعي بين أمم الأرض لصناعة تاريخها ونهضتها وتحرير مستقبل أجيالها ، إلا أن اقل المراقبين متابعة للمشهد الثقافي العربي وبنظرة سريعة غير فاحصة يمكنه إدراك بعضا من العناوين الرئيسية التي أخذت تطارد الوعي والبراعم قبيل تشكلها لتنقض عليها ،استعارة للمصطلحات تثير القشعريرة والغثيان معا ، فما دأب الاحتلال لغرسه في المجتمع قبل الثورات عاد ليطفو (بقصد أو غير قصد ) على سطح المشهد من جديد في أدق وأخطر المراحل في حياة الأمة ، فما تشهده الأمة مفصل للعبور إلى مرحلة جديدة
.
الإسلام فوبيا ، التشكيك ، زعزعة الثقة بالذات ، هلامية المواقف ، نفي الأخر ، الكفر بكل ما تم البناء عليه قبل الثورات خاصة توافق القوميين والإسلاميين ، تلك هي بعضا من العناوين الرئيسة التي طفت على سطح المشهد، يدرك المرء جيدا انه بقدر عمق التحولات التي تحدث في المجتمع بقدر ما يكون هناك ضبابية حالها كحال البراكين والتي كلما ازدادت عمقا كلما كثف دخانها ، إلا أن المستغرب والذي يستدعي تعليق كل النواقيس على الرقاب التي استقامت واشتد عودها بفضل هذه الثورات وصول هذه الضبابية والخبط العشواء إلى رموز لها وزنها على الساحة الثقافية !!
برنارد هنري ليفي يصرح من فرنسا انه دخل ليبيا كصهيوني ، ورغم أن عبد الجليل نفى نفيا قاطعا كل ما تحدث به هنري إلا أنه مع تصريح هنري انقلب المشهد الثقافي الرخو ليكون صهيونيا بامتياز ، فالصهيونية زرعت في أجيالنا أنها القوة التي لا تقهر ، والإخطبوط الذي يتحكم بمصير الشعوب ،حتى الطفل العربي لا يفطم إلا بإرادة الصهيونية حتى لا يشب عن الطوق وتخر له الجبابرة ساجدينا ،محاولات لزعزعة الثقة بالذات لنبقى نسير على غير هدى.
يأتي الاحتفال بتصريح هنري ليصب في ذات الاتجاه ، وليكون مؤشر على مدى إصابة مجتمعنا العربي بالأمراض الطفولية الناجمة عن طول فترة التبعية وعدم الاندماج في حركة التاريخ ، فعقدة الدونية استحوذت على ما يبدو حتى على بعض رموز الثقافة في ساحتنا العربية ، أقول هذا عند تمعني بالسؤال الذي يطرح نفسه ولا بد من الوقوف عنده مليا ماذا لو درس هنري حالتنا التي لا تخفى على فيلسوف وعرف ما فصلناه لأنفسنا إثر تصريحه ؟!! لا شك أن النتيجة الحتميه هو تبديد كل منجزات الثورة بلسان الثقافة ، فرغم غزارة الدماء الليبية التي سالت والاستعداد الليبي المتواصل للبذل والعطاء للحفاظ على منجزات ثورته إلا أن تصريح هنري بقي المصباح الذي يبدد ظلمة التائهين !!
ليس عقدة الدونية المرض الوحيد الذي أبرزه تصريح هنري بل هناك مرض طفولي أخر نخر في مجتمعنا حتى وصل نخاع العظم ، ألا وهو الكيل بمكيالين ، فالمحتفلون يرون هنري الآن يتحكم بمصير العالم ، وهؤلاء هم أنفسهم من أخرج لسانه يوما ليتهم الإسلاميين أو بعضهم بتبني فكرة المؤامرة .
ثالثة الأثافي بل كل الأثافي عودة الإسلام فوبيا لتطفو على السطح الثقافي العربي ليس ردا على السياسة الأمريكية هذه المرة بل تبادل للأدوار معها خاصة مع تقدم الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع ، عودة جعلت من حق الإسلاميين الصراخ بأعلى أصواتهم ( احترنا يا قرعة من وين نبوسك) فلا كفر بعضهم بالديمقراطية أنجاهم ولا إيمان البعض شفع لهم .
ليس هناك أكثر قتامه وسوداوية من استشراف المستقبل انطلاقا من مثل هذا الترويج ، مجموعة من الأسئلة المحيرة والمقلقة معا تتناسل في العقل ويسلمك كل سؤال للأخر بلا رحمة خاصة مع تسارع وتيرة الأحداث ورخاوة المشهد الثقافي ، فالانقلاب على كل ثابت ومقدس هو النتيجة الحتمية إذا ما استفحل هذا الطرح، والانقلاب على كافة منجزات الثورات إذا ما شق مثل هذا الطرح طريقه للوجود في الساحة الثقافية ،فالاستبداد والاستعباد والاستبعاد والتي هي نقيض الديمقراطية ستكون القيم المسيطرة على المجتمع وعندها لن نعود إلا بخفي حنين من ثورات طبعت بدماء لشهداء .
http://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=919790
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "فلسطين من النهر الى البحر".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestinefromtherivertothesea@googlegroups.com
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestinefromtherivertothesea?hl=ar
No comments:
Post a Comment