Thursday, January 19, 2012

في ظلال الثورات العربية: كيف نفهم ترك مشعل لرئاسة المكتب السياسي

في ظلال الثورات العربية: كيف نفهم ترك مشعل لرئاسة المكتب السياسي

بقلم: ياسين عز الدين

قد يبدو العنوان غريباً، إذ ما علاقة رئاسة خالد مشعل للمكتب السياسي والثورات العربية؟ في الحقيقة لا يوجد رابط مباشر لكن ما وراء القرار هو الأكثر أهمية، وهو ما يجب التوقف عنده ملياً، لأنه يتعلق بأحد أمراض العالم العربي المزمنة وهو "التمسك بالكرسي من المهد إلى اللحد".

تأتي رغبة مشعل بعدم الترشح لرئاسة المكتب السياسي التزاماً بمبدأ التداول وتكريساً لفكرة أنه يجب التنازل عن موقع القيادة طوعاً بعد أن يؤدي القائد ما عليه، وقد تولى مشعل رئاسة المكتب السياسي لأكثر من 15 عاماً قدم بها الكثير، وحسب اللائحة الداخلية الجديدة لحماس لا يمكن لأي مسؤول أن يتولى منصبه لأكثر من دورتين متتاليتين.

وبالرغم من أن القوانين عادة لا تطبق بأثر رجعي مما يعني أن مشعل يمكنه الترشح لدورة جديدة (وأخيرة)، إلا أنه آثر اتباع روح القانون وخصوصأً أن 15 عاماً تساوي عدة دورات انتخابية وليس فقط دورتين اثنتين، وقرر عدم الترشح فاسحاً المجال لغيره أخذ دوره بقيادة الحركة.

وهذه ليست أول خطوة من نوعها على صعيد الحركة الإسلامية في عالمنا العربي (وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين)، فهنالك سوابق عدة ففي الأردن ترسخ تقليد بعدم إمساك المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين بالمنصب طوال حياته منذ مؤسس الجماعة بالأرض عبد اللطيف أبو قورة، ومن بعده عبد الرحمن خليفة وعبد المجيد ذنيبات وسالم الفلاحات، مع ملاحظة تقلص فترة شغر منصب المراقب العام من 39 عاماً في عهد عبد الرحمن خليفة، إلى 12 عاماً مع عبد المجيد ذنيبات، إلى 3 أعوام مع سالم الفلاحات.

وفي مصر أقدم المرشد العام السابق محمد مهدي عاكف على خطوة هامة عندما قرر أيضاً عدم الترشح لمنصب مرشد عام الجماعة في سابقة على الصعيد المصري، وفي تونس قرر الشيخ راشد الغنوشي عدم الترشح لدورة جديدة لرئاسة حركة النهضة ورفض تولي أي مسؤولية حكومية بعد عودته.

في عالمنا العربي حيث يتزوج المسؤول كرسيه زواجاً كاثوليكياً لا يفرق بينهما سوى الموت، من الضروري تقديم نماذج جديدة وخاصة بعد انطلاق عصر الثورات العربية، ولتحديد مدة تولي المسؤول (وخاصة كبار القادة والمسؤولين) أهمية كبيرة من عدة نواحي: كسر عبادة الفرد فطول بقاء القائد في منصبه تقود غالباً إلى عبادته وتقديسه، وإتاحة المجال لوجوه جديدة ودماء شابة تقدم شيئاً جديداً، ولأن أي إنسان يطول به الزمن في منصب معين يصيبه بعد مدة الفتور وضعف الهمة أو على الأقل يفقد القدرة على الابداع والتجديد.

لذا يفضل تغيير الوجوه بشكل دوري وتجديد الدماء، وأي مسؤول يقضي أكثر من 10 سنوات في منصبه يصبح عبئاً على المنصب (إلا في حالات نادرة)، وقد يصاب أداؤه بالتكلس والتحجر، وفي الغرب أدركوا هذه الفضيلة منذ زمن، أما ثقافتنا العربية فما زالت تقدس تخليد المسؤول أو القائد على الكرسي.

ومن الطبيعي أن يكون هنالك مخاوف من ترك مشعل لرئاسة المكتب السياسي، خاصة وأنه يملك خبرة وعلاقات واسعة لكن هذه يمكن استدراكها، ويمكن لمن يأتي بعده أن يعيد بناء هذه العلاقات بسرعة وخاصة إن جاء من أعضاء المكتب السياسي الحاليين (وهو الأرجح).

وأهمية خطوة مشعل أن ظرف حماس صعب، ودوماً كانت الظروف الصعبة والأزمات مبرراً وحجة لاستدامة الشخوص في مواقعهم، مع أنه في أحيان كثيرة وجود هؤلاء الأشخاص هو الأزمة بحد ذاتها مثلما كان الأمر مع مبارك أو القذافي.

كما أن حركة حماس ليست مجرد حزب سياسي، بل هي الحزب الحاكم في غزة ولقرارتها ومواقفها لها الأثر الكبير على مصير الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ككل بكل تعقيداته، فالإقدام على ترك مثل هذا المنصب الحساس يثبت للمتخوفين أن الأمر ممكن ولا عذر بعد اليوم لأي كان.

وهنالك ناحية أخرى يجب الإشارة لها وهي أن قرار مشعل جاء امتثالاً للقوانين الداخلية، ولم يأت نتيجة لمرض أو ملل أو صراع داخلي، فهنا نتكلم عن احترام القوانين بعد أن تعودنا في عالمنا العربي على إعادة تفصيل القوانين لاستدامة وجود فلان وعلان، فالقوانين وجدت لتنفذ لا ليلتف حولها.

واللافت في الأمر أن الإسلاميين يقدمون نموذجاً لتجديد الدماء وتداول السلطة، بعيداً عن طقوس تقديس الأشخاص وعبادة الفرد، في تناقض كبير مع منافسيهم من العلمانيين والليبراليين الذين طالموا خوفوا الناس من الإسلاميين والاستبداد المفترض أن يأتوا به.

فما فشلت به هذه التيارات استطاعت الحركات الإسلامية أن تحقق فيها انجازات عملية، ومن الغريب أن ينظر للديموقراطية وتداول السلطة رؤساء أحزاب أمضوا عقوداً في مناصبهم، ومن الغريب أن يرمي مخلدون على الكراسي الحزبية منافسيهم بتهمة الاستبداد.

فقرار مشعل هو خطوة إضافية وهامة على سبيل إصلاح نظرتنا للقيادة والمسؤولية، نحو بناء نموذج عصري لتجديد الدماء وتداول السلطة في عالمنا العربي، وعندما تترافق هذه الخطوة مع الثورات العربية التي كانت في جوهرها ثورة على طول البقاء في الحكم، فهذا يعطي زخماً أقوى للفكرة.

المقال منشور على الرابط:

--
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "فلسطين من النهر الى البحر".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestinefromtherivertothesea@googlegroups.com
 
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestinefromtherivertothesea?hl=ar

No comments:

Post a Comment