ملف جريدة الكرامة-اعداد الناصرخشيني

تمر هذه الأيام-ذكرى استشهاد الزعيم التاريخي للأمة العربية الذي تم اغتياله بكل تأكيد وهو في عز العطاء وفي أشد ما تكون الأمة العربية في حاجة اليه ولكن التآمر الاستعماري والصهيوني والرجعية العربية هذا الثالوث القذر و المتحالف موضوعيا هو المتهم الأول لاغتيال عبد الناصرحيث توجد مؤشرات عديدة آخرها ما صرح به محمد حسنين هيكل من كون المقبور السادات كان قد أخرج طباخ عبد الناصر من مطبخ الجناح الذي كان يقيم به قبل ثلاثة أيام من وفاته وقدم له فنجان قهوة ومن المرجح أن يكون قد وضع له السم وقتها وبذلك يكون والمخابرات السعودية التي جندته لأداء هذا الدور قد اغتال عبد الناصر ومما يؤكد هذا الاستنتاج ورواية هيكل ما أورده الكاتب السعودي ناصر سعود الذي فر من السعودية واختطفته المخابرات السعودية بعد نشره لكتاب التاريخ السري لآل سعود حيث ذكر في كتابه عناصر جديرة بالاهتمام بدليل محاربة المخابرات السعودية لهذا الرجل وكتابه ونأخذ منه ما يلي
بدءا من نجاح فيصل في المساومة ـ عام 1964 ـ على اعترافه بجمهورية اليمن مقابل تعيين السادات نائباً للرئيس جمال عبد الناصر … ونجاح فيصل وفهد والسادات وحسن التهامي وكمال أدهم ـ وخبير السموم الأمريكي مستشار المخابرات السعودية في الرياض المستر رنتز: بوضع ـ عيّنةـ من سم الاكوتين ـ في كأس من عصير القوافة لجمال عبد الناصر في الساعة الرابعة إلا ربعا يوم 28/9/ 1970 ـ أثناء وداعه لحاكم الكويت صباح السالم في مطار القاهرة، وبذلك أدركت السعودية ما عجزت عنه مراراً في اغتيال عبد الناصر، بل ما عجزت عنه في تحريضها للرئيس الأمريكي جونسن بالرسالة المعروفة التي كتبها فيصل وفهد إليه يطالبانه دفع إسرائيل لاحتلال مصر وسوريا لإيقاف المد الوحدوي وإيقاف عبد الناصر عند حده واشغال العرب بأنفسهم عن المواقف السعودية الامريكية…
وبدءاً من ذلك الوقت وحتى الآن والى أن يسقط الاحتلال السعودي: لن يتوقف أمراء آل سعود عن قرع كؤوس الخمر مع الرؤساء الأمريكيين…
بدءاً من تعيين السعودية للسادات في سلك المخابرات الامريكية إلى تعيينه نائبا للرئيس جمال ـ بضغوط نعرفها ـ إلى دعمه في الرئاسة بعد اغتيال جمال بالسم …
إلى البدء في تغيير معالم الجمهورية العربية المتحدة إلى الضغط على السادات وبأسرع ما يمكن لإبعاد الخبراء السوفييت عن مصر إلى تعهد السعودية بتموين وتمويل الجيش المصري بالطعام والذخيرة والسلاح الأمريكي والغربي وشراء الطائرات بالأموال السعودية المسروقة لاعداد هذا الجيش ـ بأموال سعودية ـ أمريكية ـ لحرب العرب في الجماهيرية الليبية وفي الكنجو وفي اليمن وفي عُمان وفي لبنان والسودان والجزيرة العربية .. ويخلق مالا تعلمون… والمتتبع التقدمي القومي الوطني غير المنحاز ـ المؤمن ـ يدرك أن السعودية كانت السمسار الأول والمأذون "الشرعي والوحيد" لزواج السادات بأمريكا وإسرائيل ورحلته إلى القدس و" كمب ديفيد" ومن ثم التوقيع يوم 26/3/ 1979 على صك الخيانة "المكون من ثلاث نسخ" وقعها السادات وبيغن وكارتر …
ومع كل ذلك فلم يكن ذلك سببا رئيسيا في توجيه أصبع الاتهام للسادات وإنما كانت هناك أخبار تثار هنا وهناك ووقائع نشرتها صحف أجنبية ونقلتها صحف محلية .. بل كانت هناك كتب لمفكرين كبار تحدثت عن علاقة وثيقة بين السادات والسيد كمال أدهم رجل الاستخبارات السعودي وصهر العائلة الحاكمة هناك وهو من المعروفين بعلاقاته الوثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ' CIA ' وقيل أكثر من ذلك حتى أكد كتاب أن عددا من الحكام العرب ومن يحتلون مواقع في بلدانهم كانوا يتقاضون مساعدات مادية ثابتة من وكالة المخابرات المركزية .. وعندما تقرر كل التقارير أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت تخطط لاغتيال عبد الناصر فالأمر إذن لا يحتاج الى أكثر من إشارة أو تلميح لتنطلق الشائعة محكمة التصويب الى عقول الناس وضمائرهم . .
وبقطع النظر عن هذه الرواية فان عبد الناصر قد توفي يوم 28 سبتمبر 1970 في ذكرى الانفصال ذلك الجرح الغائر في وجدان عبد التاصر والذي استمر معه تسع سنوات فقط من عمره حتى توفي متأثرا بهذا الحدث الجلل الذي لم يستسغه .
واذا لم يكن هذا الانفصال هو السبب المباشر في مقتل عبد الناصر فان أحداث أيلول الأسود التي حدثت في الأردن بين فصائل المقاومة الفلسطينية و الجيش الأردني كان لها بالتأكيد دور هام في التأثير على صحة و نفسية عبد الناصر وأضعف جسمه عن مقاومة الحياة في ظل تلك المأسي التي تحدث للشعب الفلسطيني حيث قتل حوالي عشربن ألفا من الفلسطينيين وجرح أكثر من مآئة ألف في تلك الحوادث اضافة الى الارهاق البدني و النفسي الذي أصابه و هو يحاول أثناء انعقاد القمة العربية وقتها لايقاف المجزرة الرهيبة بحق الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة حيث ان حجم الجريمة قد فاقت ما قام به الصهاينة في حق هذا الشعب المجاهد فكيف للسلاح العربي أن يوجه للفلسطينيين بديلا عن الصهاينة بحيث كانت تلك الأحداث هدية مجانية للصهاينة .
وتكثر الروايات المتعلقة باغتياله حتى تصل الى السوفيات الذين ذهب اليهم في تلك السنة للتداوي فاعطوه حقنا من الأوكسيجين كانت كافية لقتله خلال ثلاثة أشهرحسب الوثيقة البريطانية التي تم الكشف عنها طبقا لقانون الوثائق السرية البريطانية بمناسبة مرور 30 عاما علي صدورها المؤرخ بتاريخ 29/5/1974 تؤكد في محتواها أن السوفيت تورطوا في إعطاء الرئيس الراحل علاجا يتضمن الاكسجين خلال رحلة استشفائه في موسكو عام 1970 وهم موقنون من وفاته خلال 3 أشهر!
ويقول نص الوثيقة التي بعث بها أم. مارشال القنصل البريطاني بالرباط يوم 29 مايو 1974 إلي الخارجية البريطانية: "احاط القنصل المصري هنا الآنسة "ماسوه" السكرتيرة الثانية بسفارتنا بقصة غير عادية قال فيها ان المصريين الآن مقتنعون بأن الروس قد اعطوا عبدالناصر حينما ذهب إليهم قبل فترة قصيرة من وفاته، علاجا يتضمن الاكسجين وعادة ما يعطي إلي رواد الفضاء، بما يعني التأكيد علي أنه سيموت بعد 3 أشهر".
واختتم القنصل البريطاني في الوثيقة ليقول: "من البديهي ان حقيقة هذه القصة عرضة للتساؤلات، ولكنها وكمؤشر علي ما اصبح عليه المصريون هنا مسعدون للقول به عن الروس لقد هزتني كأمر مثير للاهتمام
وبالعودة إلى الملف الصحي للرئيس جمال عبد الناصر فسوف نجد أنه أصيب بأزمة سكر عام 1958، و أزمة في أرجله عام 1961، أما الأزمة القلبية ففاجأته عام 1969 وهي الفترة التي قام بتعيين نائب رئيس جمهورية خلالها، ولم يتم الإعلان عن حقيقة مرضه بل قيل أنه مصاب بنزلة برد وقاموا بتركيب أسنسير في منزله حتى لا يجهد في صعود السلم، كما أنه أصيب بأزمة صحية حادة وقت وفاة الفريق عبد المنعم رياض، وبالتالي كافة المؤشرات تؤكد أنه مات بالمرض وليس بشيء آخر.
وفي رواية أخرى صلاح نصر يجزم بأن السم انتقل لجسم عبد الناصر عن طريق خاتم صمم خصيصا كان في اصبع حاكم خليجي والدليل هو التسجيلات التي تحوي التفاصيل، ومعززة بمجموعة صور أثناء التسجيل،
ولا ننسى الدور القذر للمخابرات الصهيونية و رغبتها في التخلص من هذا الزعيم بأي طريقة وخاصة أنها معروفة بتقدمها في تخليق المستحضرات القاتلة والضارة .. وقد جربت إمكانياتها تلك في العديد من العمليات القذرة .. فقد وُجهت إليها اصابع الاتهام .. وكان عبد الناصر عدوها الأول .. ومصدر الخطر على وجودها واستمرارها .. وقد تخلقت حول هذه الأمور قصة لم تكتمل فصولها .. قصة تقول إن ' على العطفي ' اخصائي العلاج الطبيعي .. سافر في بعثة دراسية الى الخارج .. وأن الموساد استطاع أن يوقعه في حباله .. وقد ساعده في الحصول على الدكتوراه التي اكتُشف فيما بعد أنها مزيفة .. وعندما عاد الى مصر سبقته ضجة اعلامية كبيرة فأصبح بين يوم وليلة أشهر اسم بين اخصائي العلاج الطبيعي، وتهافتت عليه الأندية الرياضية .. واستقبلت عيادته ومركزه الطبي ' الذي انشأه بمساعدة إسرائيل ' العديد من الشخصيات المسئولة في مصر .. حتى بلغ صيته المدي .. ولأن الرئيس عبد الناصر الذي كان مصابًا بارتفاع ضغط الدم والسكري .. كان يحتاج في أوقات كثيرة الى علاج ساقيه من آلام السكري .. فقد اقترح عليه بعضهم أن يتولى علاجه ' على العطفي ' بشهرته وسمعته .. وقد كان .. وقيل إنه حصل على أدوية وعقاقير قدمتها له إسرائيل ليمارس بها علاجه لآلام ساقي الزعيم .. وأن هذه العقاقير كانت تحتوي على أنواع من السموم التي يصعب اكتشافها .. وذات أثر تراكمي يتسرب الى الجسد تدريجيًا ويتسبب في الوفاة بعد فترات يعرفها مخترعو هذه العقاقير .
وقد تأكدت الشائعة عندما أُلقي القبض على 'على العطفي ' وأُغلقت عيادته ومركزه للعلاج الطبيعي وأُعلن عن عدم أهليته لممارسة المهنة وأن درجته العلمية غير صحيحة .. ومزورة .. ونشرت الصحف أخبارا عنها.. وقيل إنه مات في السجن .. وطار الخيال بالبعض لدرجة الهمس بأن إسرائيل قد بادلته ببعض الأسرى المصريين وأنها قد تسلمته من السلطات المصرية للعيش هناك معززا مكرمًا نظير الخدمات الجليلة التي قدمها للكيان الصهيوني .
وكانت مسألة استخدام السم في قتل جمال عبد الناصر تجد فرصا للظهور والانتشار بين وقت وآخر .. ومازالت .. وفي كل مرة تُقدم إسرائيل على عمل من هذا النوع .. تشتعل المسألة وتكبر من جديد ولعل فضيحة إسرائيل في محاولة اغتيال خالد مشعل بالسم في الأردن أعادت القضية الى الأذهان بقوة .. ثم كانت عملية اغتيال ياسر عرفات بالسم .. والتي تحدث عنها الأستاذ هيكل مبكرا ثم أصبحت حديث الصحافة العالمية فيما بعد .. لعلها دفعت برواية استخدام السم لإنهاء حياة عبد الناصر لتحتل مكانا بارزا يكاد يقترب من اليقين وظلت الاتهامات تجيء وتروح حتى طالت خليفته أنور السادات وظلت تتأرجح حتى تفجرت بين أسرة الرئيس عبد الناصر وأسرة خلفه .
وهكذا تؤشر كل هذه المعطيات الى مزيد من الغموض حول السبب الحقيقي لوفاته هل كان بسبب المرض أم مؤامرة لواحد من أعداء ناصر في هذا العالم فمن هو الطرف الذي فعل فعلته في جنح الظلام ودس له من أسباب الموت مادس سواء بشكل مباشر كالسم أو بطريقة غير مباشرة كجريمة الانفصال التي توفي في ذكراها الأليمة أو تقتيل الفلسطينيين في الأردن في مجازر بشعة لم نشاهد مثيلا لها الا في العراق بعد احتلاله أو نتيجة للنكسة أو التآمر الرجعي على الأمة العربية وفي كل الأحوال فان وفاته في كل الحالات كانت استشهادا ولا يمكن أن تكون أقل من ذلك خاصة اذا تذكرنا غضب شوان لاي على وفد مصري برئاسة لبيب شقير بقوله كيف تسمحون لعبد الناصر ان يموت في هذه السن
ناصرية جمال عبدالناصر
بقلم/ عبدالحليم قنديل

لم يكن جمال عبد الناصر عنوانا عابرا في تاريخ هذه الأمة، بل كان أعظم ملاحم نهوض الأمة من رقادها التاريخي الطويل، فالرجل الذي مات شـــابا في أوائل الخمسينيات من عمره، والذي تمر اليوم على رحيله المبكر أربعون سنة بالتمام والكمال، زادته الأيام تألقا وحضورا في غيابنا المذهل، وبدت الانهيارات من بعده كأنها تستدعيه للقيام من قبره الرخامي في منشية البكرى بالقاهرة.
وربما تكون ذكرى رحيل جمال عبد الناصر فرصة لتذكر الأبقى وهو 'ناصرية' جمال عبدالناصر.
فماذا نعني بالناصرية بالضبط؟
الناصرية ـ فيما نظن ـ ليست زمنا مضى وانقضى، وليست مجموعة سياسات وإنجازات، وليست مجرد بطولة في التاريخ، أو تجربة عداء حازم للاستعمار، وتنمية خارقة للعادة، أو سعيا إلى الوحدة العربية.
إنها كل ذلك وغيره، إن أردنا وصف ما جرى، لكنها تنطوي على قيم باقية وممتدة تتجاوز الوقائع وتكشف فيها المعنى والمغزى.
وربما كان وجود حركة ناصرية، حركة ثورية تنمو وتتسع رغم ما وضع ويوضع في طريقها من عقبات، ما يؤكد وجود الناصرية كفكرة ومنظومة قيم، فلا ناصريون بغير ناصرية، والناصريون ـ بلغة المناطقة ـ هم 'ما صدق' ويستحيل وجوده في غياب 'مفهوم' هو الفكرة الناصرية، غير أن وصف الفكرة الناصرية بمعنى النظرية أو الايديولوجيا الثورية مسألة محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا تحولت النظرية أو الأيديولوجيا إلى نوع من المذهبية الضيقة تحتكر الحقيقة لنفسها، أو تصورت في نصوصها قدسية تعلو على حركة الواقع، أو جعلت من بنائها نسقا مغلقا، أو تجريدا نهائيا لقوانين التطور التاريخي والاجتماعي.
إذن ما هي الناصرية؟ إنها ايديولوجيا ونظرية ثورية، شرط ألا تفهم على أنها نسق مغلق أو رؤية متحفية متكلسة، وشرط ألا تفقد صلاتها الحميمة مع الواقع من حولها، يقول جمال عبدالناصر: 'لقد كانت أعظم الملامح في تجربتنا الفكرية والروحية أننا لم ننهمك في النظريات بحثا عن حياتنا، وإنما انهمكنا في حياتنا ذاتها بحثا عن النظريات'.
لا أعني، أن نظرية الناصرية أو ايديولوجيتها لا ترقى إلى مستوى 'الإيمان' أو 'اليقـــــين المتألق'، أو طــــاقة الحفز الملـــهمة في صناعة وقيادة التاريخ، أو أنها تتخلف عن وظائفها الحيوية في التفسير والتغيير، أو أنها تقف على الدوام وراء حركة التاريخ والمجتمع، أو تقنع بالتجربة والخطأ، فالنظرية أو الايديولوجيا الإيجابية المنفتحة تتضـــمن محددات تسبق الممارسة في الواقع ثم تغتني بدروسها، والنـــظرية أو الايديولوجيا هي إطار فكري مرتبط نشأة ووظيفة بمصلحة جماعة معينة، تصوغ أهدافها ومثلها العليا في نطاق زماني ومكاني بعينه، وتقوم بدورها في تجديد وتنظيم فاعلية الجماعة البشرية المدركة لظروفها في الحاضر وغايتها في المستقبل. والناصرية هي خلاصة الإنجاز الفكري والتطبيقي لثورة يوليو تحت قيادة جمال عبد الناصر.
الناصرية هي التجريد الواعي لقيم كشفت صحتها الممارسة التاريخية، وصاغت مضامينها النظامية، الناصرية رؤية مبلورة 'للمجتمع العربي المستهدف الذي يناضل الناصريون من أجل تحقيقه في المستقبل'، والناصرية منظومة من الأفكار المتسقة والمتكاملة فيما بينها، والقابلة للنمو بدالة الواقع الحي ومتغيراته، والناصرية ـ كايديولوجيا ونظرية ـ تستند إلى إطار أوسع من الفهم المنهاجي، يؤمن بهدى رسالات السماء ورؤيتها للكون والوجود، ويؤمن بحتمية السنن الناظمة لحركة الكون والمجتمع، ويؤمن بالمنطق الجدلي لحركة التاريخ، ويؤمن بالقوة الدافعة للصراع الاجتماعي متعدد الأبعاد، ويؤمن بدور الإنسان المتميز بالإرادة والوعي في قيادة حركة التطور التاريخي والاجتماعي، ويتضمن تحليلا للواقع المعين، يكشف تناقضاته ويفسر مغزى حركته، ويتنبأ بمقاصدها في المستقبل.
والناصرية تنطلق من واقع بعينه، تنطلق من واقع الأمة العربية مكتملة التكوين، تنطلق من وحدة الجغرافيا والتاريخ واللغة ووحدة التناقضات والمخاطر والمصائر، وقد كشفت تجربة الناصرية ومعاناتها التطبيقية والنظرية خمسة جوانب متداخلة: أولها: تحدي التبعية المفروضة للغرب بما أفرزته وكرسته من ظواهر الاستعمار والتخلف والاستغلال الطبقي والتجزئة والسحق الثقافي، وثانيها: نزوع حركة الصراع الاجتماعي نحو تجاوز الواقع بالتحرر الوطني والديمقراطية الشعبية والتنمية المستقلة بالطريق الاشتراكي وأولوية العلم والتكنولوجيا والتجديد الحضاري والوحدة النافية لحدود وإقليميات صنعها وفاقمها الاستعمار وورثها أعوانه السياسيون والاجتماعيون والحضاريون، وثالثها: ان التغيير ـ وفقا لتحليل واقعنا الاجتماعي وبالقياس إلى الأهداف ـ لا يصح أن يستند إلى طبقة أو فئة بذاتها، بل إلى 'حلف اجتماعي شعبي' متسع، 'كتلة تاريخية'، تفرز قواها بدواعي الوعي والمصلحة، وأن أول معايير فرز قوى التغيير هو الكدح الإنساني (الذهني والعضلي) فضلا عن الولاء والالتزام بتبعات التغيير ومثله العليا، وان العمال والفلاحين هم عماد التحالف الشعبي ذي النزعة الاستقلالية والاشتراكية والتوحيدية، وان المثقفين الثوريين هم ـ بالوعي والإرادة ـ قيادة التحالف وطليعته المرشدة، ورابعها: ان أداة التغيير الملائمة ليست حزبا طبقيا أو تنظيميا نخبويا يقفز فوق منطق الصراعات الاجتماعية، بل لابد من وضع دور الطليعة ضمن سياق تنظيم شامل قومي التوجه والتكوين وتتسع قاعدته لحشد قوى التحالف الشعبي وتعبئتها باستهداف التغيير، ومن ثم بلورت الناصرية صيغتها التنظيمية الفريدة (التنظيم السياسي ثنائي التركيب ـ القلب الطليعي ضمن التنظيم الجماهيري)، ومزجت في إطار واحد بين دور 'الطليعة المرشدة' ودور 'الشعب المعلم' 'صانع التاريخ'، وخامسها: انه لا تغيير إلا بالثورة الضرورية في واقعنا، وان أسلوب التغيير لا يصح أن يتوقف عند مرحلة الثورة السياسية، بل يتجاوزها إلى الثورة الاجتماعية، وبما يغني نموذج الثورة الوطنية في عالمنا وواقعنا بضمنه، وان النموذج المطلوب هو الثورة الشاملة متعددة الجوانب، الثورة التي تجمع مهام الثورة السياسية ومهام الثورة الاجتماعية ومهام التوحيد القومي في أمة مجزءة، كالأمة العربية، الثورة التي تجمع ـ في واقعنا ـ وفي نسيج واحد متداخل بين مهام التحرر السياسي ومهام التحرر الاجتماعي، وبين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وبين التنمية الاشتراكية المستقلة وبناء دولة الوحدة العربية، وبين فض روابط التبعية السياسية والاقتصادية والحضارية للغرب وتصفية كيان الاغتصاب الصهيوني في فلسطين، وبديهي أن صيغة الثورة الشاملة لا تفترض أن تتحقق أهدافها دفعة واحدة، بل تتعدد وتتلاحق على طريقها مراحل النضال وبرامج العمل التي تعكس في تشابك أهدافها الجزئية طبيعة التداخل بين مكونات الغاية النهائية المركبة
ذلك هو الاطار العام لما نعنيه بالناصرية أشرت إليه في اختصار يقتضيه المقام، وهو ينطوي ضمنا على حزم من الأفكار الفرعية وعلى عشرات التساؤلات، بعضها قدمته أو أجابت عليه تجربة عبد الناصر، وبعضها مازال متروكا للناصريين من بعده.
ومن المهم أن تفهم الناصرية في سياقها الصحيح تاريخيا، وأن يفهم دور عبد الناصر الفكري في إطار حركة الثورة العربية المعاصرة، كان عبدالناصر قيادة تاريخية من طراز نادر، قام بدور بطولته التاريخية مع توافر الوعي المسبق به وطورته حصيلة الممارسة، واستند عبدالناصر كفرد ممتاز إلى حركة الجماهير العربية في مرحلة نمو سريع للوعي، عجلت بها موازين تخلقت بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أضاف عبد الناصر بتجربته الثورية قوى اجتماعية جديدة تتهيأ لاستكمال الدور ذاته، واستند عبد الناصر في الوقت نفسه إلى إيحاءات واجتهادات طرحتها حركة الوطنية المصرية وحركة القومية العربية قبله، ثم أضاف إليها بالممارسة عمقها ومنحها أصالتها واتساق منطقها الداخلي، ثم أضاف إليها منظومات فكرية جديدة دفعتها خطوات حاسمة نحو وضوح النظرية والايديولوجيا، كان عبدالناصر تلميذا نجيبا لحركة التاريخ والجغرافيا والمجتمع وقائدا لها في آن، وربما يكون ذلك هو ما جعل من الناصرية أو في تعبير ممكن عن ثوابت ومطامح ونداءات التطور في منطقتنا العربية، وقد تضيف إليها المتغيرات زادا جديدا، لكنها لا تلغي أو تنفي أصولها المشتقة من الواقع بالأساس..
عن عبد الناصرفي ذكرى الرحيل و الانفصال .
محمد عامر استاذ بملولش وقيادي بحركة الشعب الوحدوية التقدمية

عندما نتامل الشخصيات التارخية التي عاشت منذ زمن ورحلت الى العالم الآخر نجد اسماء لامعة تذكرها الاجيال وهي لم تعايشها لتعرف بالملموس الاثر الذي حققته هذه الرموز في الواقع ، سوى ما يصلها من اخبار عن هذه الشخصية او تلك . وعادة نجد ان الذين ينقلون لنا التاريخ يتفقون اجماليا حول الموقف منها جميعا لانها عادة شخصيات ضحّت و قاومت الظلم او الغزوالخارجي ، بالفكر او بالسلاح ، اي انها عبرت عن هموم جماعية يتفق عليها اوسع الناس في المجتمع .. لذلك فان مثل هذا الاجماع الايجابي له ما يبرره موضوعيا كما يبدو .. و يكفي هنا ان نذكر من بين العديد من الشخصيات التاريخية اللامعة شخصيتين بارزتين لا تزال تذكرهما الاجيال المتعاقبة ، و هما صلاح الدين الايوبي و عمر المختار، اللذان سابحث في جوانب مختصرة من شخصية كل منهما . الاول من التاريخ الوسيط و الثاني من التاريخ الحديث ..
اما عبد الناصر فقد تباينت حول تجربته الآراء ، فنجد من تثور ثائرته و يفقد صوابه عندما يسمع اسمه ، فتذكر الاخطاء و لايذكر التصحيح و تذكر الهزائم و لا تذكر الانتصارات . و في المقابل نجد الملايين ممن لم يعرفوه و لم يروه سوى في الصور او في الافلام لكننا نراهم او نسمعهم لا يملون مدحه و تمجيده ، وهو في نظرهم اعزّ عليهم من آبائهم و أهلهم جميعا ..؟ فلماذا بقى له كل هذا التاثير في هذه الاطراف المتباينة وهو لم يعد يتاثر بهم ؟ و لماذا بقي حاضرا على امتداد اربعة عقود رغم ما تعرضت له تجربته من حملات التشهير و التشويه المنظمة منذ السبعينات الى الآن ؟
اولا ان مثل تلك الشخصيات التاريخية العظيمة المذكورة قد عاشت و اثرت في احداث كان لهم فيها خصوما و اعداء من ضحايا المشاريع التي دافعوا عنها و ضحوا من اجلها و ما نحن اليوم الا من اصحاب المصلحة التي تحققت لنا بفضل تضحياتهم لذلك نحبهم و نمجدهم و نعتز بهم و بامثالهم .. و هذا من الناحية الاجمالية ، لكن اذا اخذنا مثلا صلاح الدين و نظرنا اليه بالتفاصيل سنجد ان له من الاعداء المباشرين من كان يكرهه و يحقد عليه ، او حتى يودّ قتله .. اا هل في ذلك غرابة ؟
قطعا لا . لان صلاح الدين عندما قدم الى مصر خاض فيها الحروب ضد من تبقى من الفاطميين الذين تتبعهم و انتقم منهم من بعد اسلافه ليستقر حكمه قبل ان يتفرغ للجهاد اولا ؟ ( ثورة في مصر قبل عبد الناصر بقرون اا) ، ثم وجّه جيشه الى اليمن حتى اخضعها لسلطته ثانيا ؟ ( تدخل في اليمن قبل عبد الناصر بقرون اا) ، ثم اتجه الى بلاد الشام لتطهير بعض البؤر من العملاء للفرنجة و الطامعين جميعا قبل ان يوحد صفوف المسلمين و ينجز النصر العظيم ثالثا ؟ ( و في بلاد الشام قبل عبد الناصر ايضا اا) ، وبهذ ا التوحيد لشتات الامة واجه الصليبيين مجاهدا بجيش واحد فهزمهم . تراهم ماذا كانوا يقولون ؟ وبقطع النظر عن صحة القيل و القال ، الم يكن صلاح الدين البطل متهما من بعض الخصوم التاريخيين بالتنكيل باعدائه ، و باستعمال القوة من اجل العظمة الشخصيه والجاه ، و انه ترك بعض الفلول للصليبيين على السواحل فاتخذوها قواعد ، ثم منطلقا جديدا للهجوم بعد مماته ؟ الم يتهموه بانه سمح لليهود بالاقامة في فلسطين و مكنهم من بناء كنائس و مدارس لهم ؟ الم يقولوا انه قام بافتكاك الاراضي و توزيعها على جنوده المقربين ؟ الم يتهموه بتعيين و تمكين ابنائه واقاربه مما ادى الى الصراعات من بعده و اضعاف صفوف المسلمين ؟ الم يكن متهما حتى بالقتل حيث امر بتنفيذ حكم الاعدام في السهراوردي بايعاز من رجال الدين الخ..؟
اذا كان هذا عن صلاح الدين الايوبي فماذا عن عمر المختار ؟
بداية نقول ان عمر المختار لم يكن حاكما و لا طرفا في السلطة مثل صلاح الدين ، ورغم ذلك فانه لم يسلم من بعض الاتهامات بحسب المجال الذي تحرك فيه وهو الجهاد ضد الغزاة ، ورغم ذلك الم يكن عمر المختار في نظر خصومه و عملاء الاستعمار الايطالي مجرد مغامر وفاشل سيسبب الكوارث للشعب كما يقال اليوم عن عبد الناصر.
الى ماذا يفضي هذا المنطق اذن ؟
صلاح الدين الايوبي و عمر المختار ليسوا ابطالا.... ااا
ولو اتبعنا هذا المنطق العدمي لوجد نا ان كل الابطال سفاحين ومغمورين ومغرورين الخ..ااا
ثانيا ان الاحداث التي اثر فيها عبد الناصر بافكاره و اجتهاداته لا تزال مؤثرة فينا لذلك نحن منقسمين في حكمنا عليه و على تجربته حسب مواقعنا من المعارك التي خاضها عبدالناصر اما لصالحنا او ضدنا ، على عكس القادة التاريخيين المذكورين الذين لم يعد لهم خصوم مباشرين احياء في عصرنا و في واقعنا الخ.. لذلك فانه من البديهي ان نجد اليوم حملات التشهير و التشويه لعبد الناصر او لتجربته ، لان مشروعه موجه لزعزعة افكارلايزال لها انصارها من المخالفين ، وهدم عروش لا يزال لها اصحابها من الحاكمين ، و زلزلة مواقع لا يزال فيها اقدام الغاصبين و الناهبين الخ..
ثالثا ان العبرة ليست بتوجيه الاتهامات للابطال من طرف بعض خصومهم بل بالنظرة العامة تجاه هؤلاء الابطال لاوسع فئات الشعب والقاعدة الجماهيرية الواسعة التي تستطيع ان تقول كلمتها بما تشعر به من مصلحة متحققة لها بفضلهم . اي بما استقر عليه الحكم من طرف العامة وليس الخاصة . او بما يبقى في وجدان الشعوب كمعيار لا يخطا على مر التاريخ في الحكم على الابطال الحقيقيين لكل شعب و كل امة ..
و عليه فاننا لو نظرنا الى موقف المخالفين لعبد الناصربشكل مفصل و بحثنا في اسباب التهجم عليه و على تجربته ، لوجدنا الامر قائما منذ البداية على تناقض لا مجال فيه للحلول الوسط . تناقض بين مصالح المخالفين وامتيازاتهم التي سحبت منهم ( مواقع سابقة في السلطة او تطلّع اليها ، فدادين ، باشوية ، عمودية ، نفوذ ، جاه ، ثروة ..) لذلك ظلّوا يستخدمون من اجل استرجاعها كل انواع الاسلحة ضده حيا و ميتا (محاولات اغتيال ، تشهير ، تشويه ، تحالف مع القوى المعادية ،.. ) هذا من جهة ، وبين نهج عبد الناصرالقائم على تجريدهم من اهم اسلحتهم المادية و السياسية ( حل الاحزاب ، الاصلاح الزراعي و الحد من الملكية ...) من جهة ثانية . و قد كان ذك النهج ضروريا في نظره حتى لا يستفردوا بالشعب و يزيفوا ارادته ، ثم يحكموه و لا يقدمون له شيئا ، كما كانت تلك الاسلحة كافية لعودة تلك الاحزاب للسيطرة ثم انتاج نفس المنظومة الفاسدة التي كانت سائدة قبل قيام الثورة .. فهل كانت تلك القوى ديمقراطية فعلا لتصف عبد الناصر بالديكتاتورية ؟
لو نظرنا الى اكبر الاحزاب جماهيرية في تلك الحقبة لوجدنا كل من حزب الوفد و الاخوان المسلمين مثلا من اكثر الاحزاب عداء للثورة و اكثرها حديثا عن الديمقراطية . فلنبحث في مسالة الديمقراطية داخل كل منهما اولا .
بالنسبة لحزب الوفد تكررت مسالة فصل الاعضاء من طرف القيادة – يقول الدكتور عصمت سيف الدولة – حتى استقرت تقليدا في الحزب الليبرالي العتيد . و يذكر منها العديد من عمليات الفصل الجماعية لاغلب اعضاءه ( عشرة من اربعة عشر ) من طرف القيادة بداية من سعد زغلول سنة 1921 وصولا الى زعيمه مصطفي النحاس في عام 1932 بعزل اغلبية الاعضاء ( ثمانية من احدى عشر ) و قد تكررت مثل هذه القرارات الفردية العديد من المرات الأخرى بفصل اشهر قيادات الحزب طوال تاريخه ، ولقد كان هذا التقليد الاستبدادي من بين اسباب الانشقاقات التي حصلت في الحزب.. ( عصمت شسيف الدولة ، هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ).
اما بالنسبة للاخوان المسلمين يقول نفس المصدر : " فمنذ اسّس المرحوم حسن البنا جماعة الاخوان المسلمين ، نشات و نمت على اساس من نظام البيعة و التسليم الكامل للقيادة ، احتجاجا بقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. [النساء:65].و كان على كل اخ مسلم من اعضاء الجماعة ان يتاكد من صدق ولائه للدعوة بان يسال نفسه عما اذا كان مستعدا لان يفترض في نفسه الخطا و في القيادة الصواب اذا ما خالف رايه راي القيادة ... " وقد كان كل هذا قائما في زمانه على فكرة سائدة في المجتمع تستند لقبول فكرة المستبد العادل .
لذلك ردّ عصمت سيف الدولة على نفاق الاحزاب التي تصف عبد الناصر بالديكتاتورية متوجها الى الشباب العربي بقوله : " اذن في تلك المرحلة من التاريخ العربي ، يا ايها الجيل الجديد من الشباب ، لم يكن الاستبداد اقل من امنية يتمناها الجيل المصري الذي كان في ذلك الوقت جديدا . فاذا اردتم ان تحاكموا استبداد عبد الناصر عام 1953 فحاولوا – ان استطعتم – ان تحاكموه طبقا لقوانين جيله . و لقد علمتم الآن كيف ان حجة الذين انكروا على عبد الناصر في عام 1953 ، استئثاره بالسلطة كانت حجة داحضة . فقد كانوا يسلمون امورهم الى قياداتهم تسليما غير مشروط و ينكرونه على عبد الناصر . اعني انهم لم يكونوا على أي وجه ديمقراطيين ليقيم الشعب وزنا لدعاويهم الديمقراطية . و لقد كانت مطالب الليبراليين في ذلك الوقت تنتهي – كخلاصة – الى ان يسلّم عبد الناصر السلطة الى الزعيم مصطفى النحاس او الى الامام حسن الهضيبي ، و لم يكن في ذلك شيئ يمت بصلة للديمقراطية . فحتى لو افترضنا فيهم العدالة فقد كان كل منهم – عند انصاره – مستبدا عادلا . و لم يكن عبد الناصر ، قائد الثورة ، اقل منهم انصارا .."
ثم اننا لو القينا نظرة بسيطة على كل النظم حوله لوجدناها جميعا على شاكلة النظام الذي ثار عليه ، و قد ظل يقود شعوبها و يحرّضها على الثورة طوال حياته لكن القدر لم يمهله ليرى ثورتها . اما اليوم و قد نضجت الظروف و تهيات لمثل هذا الطوفان العربي الذي لا يبقي منهم و لا يذر ، فانه على وشك ان يصنع ربيعا عربيا لطالما كان عبد الناصر يحلم بقدومه ، وهو القائل : " انني أومن ايمانا قاطعا انه سيخرج من صفوف هذا الشعب ابطال مجهولون يشعرون بالحريه ويقدسون العزه ويؤمنون بالكرامه " .
اما نحن فنقول : رحم الله جمال عبد الناصر الذي عاش للوحدة و رحل في ذكرى الانفصال
ومن العراق كتب الاخ
سهيل العباسي
ذكرى وفاة القائد جمال عبد الناصر
تمر علينا هذه الايام ذكرى انتقال جمال عبد الناصر الى جوار ربه ووفاءاً وعرفاناً لهذا القائد الفذ الشجاع نكتب مقالنا هذا ونحن الجيل الذي عشنا مسيرته منذ قيامه ومعه زملائه الضباط الاحرار بثورة 23 تموز عام 1952 التي لم تراق بها قطرة دم واحدة وهو ماكان يشترطه على زملائه المنفذين لتلك الثورة وهو ما تثبت ايمانه بالله سبحانه وتعالى ونواياه السلميه البعيدة عن الفوضى وأراقة الدماء واننا اذ نخصص هذا المقال لحياته الشخصية وسلوكه قبل وبعد تسلمه السلطة.
انما نريد ان نشهد امام التاريخ بذلك وقد يتسأل البعض بان هذا ليس فضلاً وانما يفترض بالانسان ان يكون اميناً ويده نظيفة والمهم هو تقييم انجازات الثورة المصرية وهذا صحيح الى حد كبير وفي معظم دول العالم الا ان الدول العربية قد عانت ما عانت من السلوك الشخصي المشين لمعظم حكامها وتفريطهم بحقوق شعوبهم من خلال انغماسهم في حياة الترف والهدر لأموال الدولة خلاف الضوابط المطلوبة للمحافظة على المال العام فتراهم يعبثون ويقومون بتصرفات مخجلة مما حفزت الدول الاستعمارية لتحقيق مصالحها من خلال تهديدهم ووعدهم لهؤلاء الحكام بأنها ستكشف اسرارهم وقد ابتزت ماشاء لها من الابتزاز من موارد هذه الشعوب الاقتصادية من خلال هذا الاسلوب القذر الا ان عبد الناصر كان على رأس الحكام النزيهين بالمطلق وهم قلة بأن يقف ضد هذا الاستعمار ولم يتصنع ذلك او يجبر عليه وانما كان سلوكاً متأصلا فيه وفي عائلته وانحداره من عائلة فلاحيه فقيرة في صعيد مصر .
هنا تبرز اهمية هذا السلوك وكيف انه وقف حاجزاص منيعاً لأفشال كل المحاولات التي بذلت لتشويه سمعته واعترفت وكالة المخابرات الامريكية بأنها بذلت جهود عميقة ومضنية علها تجد مثلبة في سلوكه الشخصي لتنفذ من خلالها الا انها فشلت.
واذ نورد بعض سلوكيات عبد الناصر في حياته الشخصية فأننا لانتباهى بها وانما للسبب المذكور وبعد ان فاحت روائح معظم حكام العرب النتنة والتي تزكم الانوف .
- يوماً وردت معلومة له بأن والده عبد الناصرحسين قد دعي الى حفل أرستقراطي لمناسبة عقد قران ابن الوزير الداخلية سراج الدين المشهور جدا في زمن الملك فاروق وبقى على الشهرة بعد الثورة فسارع عبد الناصر ومنع والده من الذهاب الى حفلة الاستقبال الكبرى وقال له " ياأبي انهم لم يدعونك بصفتك الشخصية ومقامك الاجتماعي البسط وانما لأنك والد رئيس الجمهورية وذلك يحقق بعض من مأربهم وأحرج انا .
- ابنته هدى لم تحصل على قبول في جامعة القاهرة بسبب ان درجاتها تنقص درجة واحدة ليس في المعدل وانما في المجموع ووسطت العائلة الاستاذ محمد حسنين هيكل بحكم علاقته الوثيقة معه ولأنهم يخافون أصلا ان يطلبوا ذلك منه مباشرة فرفض رفضاً قاطعاً وردد "أذا كنت انا أتوسط لأبنتي فمن يتوسط لأبنة الفلاح المصري " .
- ألح عليه كثيراً اخاه غير الشقيق شوقي عبد الناصر وترجاه ان يحضر حفلة عقد قرانه في الاسكندرية ولمشاعره الانسانية النبيلة تجاه اهله وعائلته ذهب الى الحفل فدهش مما رأه من الرواق الكبير الفخم ومجرد دخوله وحتى لم يؤدي تحية السلام لجالسيه أستدعى شقيقه وضربه امامهم ضربة قوية على خده ناهراً " من اين لك هذا؟ " وقفل راجعاً .
- كان يحرم ان تكون السيارة وهي واحدة فقط المخصصة له من الدولة في الذهاب والاياب الى قصر عابدين ولحضور المناسبات الرسمية ان تستعملها عائلته لأي سبب كان وصادف ان حان موعد ذهاب ابنه خالد الى الكلية وقد داهمه الوقت وترجت امه سائق السيارة ان يوصله ويعود بسرعة وصادف ان نهض القائد قبل موعده المعتاد فلم يرى السيارة وياويلهم أرتجفت الام وما أن رجع السائق حتى انبه وقال " أنك من اليوم مفصول من العمل " ولولا توسلات زوجته لما ألغى قراره .
- الشعب اللبناني يحب عبد الناصر بشكل يفوق محبة الشعوب العربية الاخرى وحصل ان قام بعض اللبنانيين لزيارته في مسكنه في منشيه البكري وحملوا معهم صندوقين صغيرين من التفاح هديه له فرفض ذلك وأنفعل, هم بدورهم عاتبوه قائلين " هل نحن نريد ان نرشيك أو نذلك ياأبا خالد وأنما هذه اعراف وعادات عندنا نحن اللبنانيون واعتذروا وفي رباطة جأشاً عالية قال " ان الفلاح المصري ليس لم يأكل التفاح مطلقاً لابل لم يراه في عينيه فكيف أقبل ذلك " .
- في أحدى سفرات علي صبري نائب رئيس الجمهورية الى الخارج وعودته جلب معه حقيبتين فيها بعض المشتريات له ولعائلته الا ان موظفين الكمارك لم يسلموها له ( طبعا ان هؤلاء الموظفين الحكوميين يعرفون جيداً بأن عبد الناصر لن يقبل ذلك وبالتالي فلا عقاب عليهم ) وعند سماع عبد الناصر طلب ان يأتي هذا الرجل ليقابله فأعتذر منه كثيراً الا ان الرئيس طلب منه ان يقدم أستقالته فوراً .
- كانت زوجته تحيه كاظم عبد الحميد وهي من عائلة عراقية ثرية نزحوا الى مصر في عقد الثلاثينيات وتملك سيارة شخصية فاخرة وعندما طلب يدها من شقيقها (وهو صديقه) طلب ان تأتي الى بيت الزوجية بلاسيارة وهذا قبل عام 1952 .
لاأريد ان أعدد مفردات حياته الشخصيه النظيفة ناصعة البياض لأنه المفروض ان يكون الانسان يتحلى بهذه الصفات كما أسلفت التي أمر بها الله سبحانه وتعالى ولو كان معظم حكامنا العرب بهذه النزاهة والتعفف لما تمكنت الدول الاستعمارية من نهب خيراتهم سيما الدولة النفطية الا انهم مع الاسف لازالوا في هذا السلوك ومعظمه مخجل ودنيء وشاذ .
يوماً قرأت بأن رجلاً في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) جاء محمل بكميات كبيرة من الذهب من مناطق بعيدة جداً عن مركز الخلافة في المدينة المنورة وقال له هذه مستحقات بيت المال من المنطقة الفلانية فأستغرب من حكاية هذا الرجل ذو الملابس الرثة ونظراً بأستغراب إلى الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)و كان جالساً قربه فقال له الإمام " عففت أنت فعفت الأمة " .الاستقامة ليس فقط مطلوبة وانما هي امر من الله وتقول الايه الكريمة " أستقم كما أمرت" ولو تخيلنا بأن لدينا حكام نزيهين ايديهم نظيفة يخافون من الله ولايقتربون من المال العام فكيف ستكون الامور؟؟؟ وهل تبقى شعوبنا متاخرة؟
قد نتهم بأننا نحب عبد الناصر بعاطفة وهم واهمون نحبه بعقل وتجرد من خلال مآثره ونزاهته وعدم انزلاقه وهذا يشرفنا نحن الناصريون رحمك الله ياعبد الناصر وجعلك من ساكنين جنات الخلد انه نعم المولى ونعم المجيب .
وفيما يلي شهادة السفير حمدي الطاهري الذي كان قنصلا بلندن من عام 1968 الى 1971

في يوليو 1968 تم تعييني قنصلا عاماً لمصر في لندن وكانت القنصلية المصرية هي القنصلية العربية الوحيدة وكانت مهمتنا محاولة لم شمل الجالية المصرية والعربية التي كانت تنكوي بمرارة هزيمة .67 وهناك تعرفت علي أشرف مروان صهر الرئيس عبدالناصر ونشأت بيننا صداقة قوية استمرت إلي يوم رحيله، وكان أشرف في لندن لعمل دراسات عليا وكان يعمل في مؤسسة الرئاسة الذي أصر علي ضمي إليها عندما أصبح فيما بعد سكرتيرا للاتصالات الخارجية في عهد الرئيس السادات وهي المهمة التي شغلتها كمساعد له من عام 1971 حتي عام ,1976 وأذكر عندما كنت في لندن اتصل بي سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر ليبلغني بأن بنات الرئيس سيقمن بزيارة لندن ويطلب مني أن أحجز لهن في فندق وأبلغني بأن كلاً منهن معها مصروف جيبها وإذا ما نفدت نقودهن ممنوع منعا باتاً الاقتراب من مليم واحد من أموال القنصلية، وبالفعل حضرن إلي لندن واستقبلتهن في المطار وحجزت تكريما لهن جناحاً لكل واحدة في «جروفنال أوتيل» وكان سعره 57 جنيهاً إسترلينياً وقتها وأبلغت سامي شرف بما تم فقال لي نصا: إذا ما علم الرئيس بأنك أنزلتهن في أجنحة فندقية «هيخرب بيتك» انقلهن فورا إلي غرف عادية ولكنني وخوفا علي مشاعرهن رفضت نقلهن وتحملت فارق السعر من نقودي الخاصة تكريما لعبدالناصر وطلبت من سامي شرف عدم إبلاغه وقد كان وبالفعل نفدت نقودهن فعاودت الاتصال بسامي شرف وأبلغته فقال لي: انتظر سأبلغ الرئيس وبعدها بساعة تقريبا اتصل بي سامي شرف ليبلغني أن الرئيس يشكرني ويطلب مني الحجز لبناته علي أول طائرة عائدة إلي مصر وهو ما تم.. ويضيف: كانت رئاسة الجمهورية ترسل لي شهريا مبلغ 40 جنيهاً إسترلينياً من أموال الرئيس ناصر لكي أحضر له الكتب الحديثة والمجلات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تصدر هناك وكان حريصا جدا علي هذا الأمر.
ويختتم الطاهري كلماته لـ«روزاليوسف»: أود أن أقول كلمة واحدة لجمال عبدالناصر في مثواه .. رحمك الله أيها الزعيم فقد كنت رجلا.
--
Email Naceur.khechini@gmail.com
Site http://naceur56.maktoobblog.com/
http://www.facebook.com/reqs.php?fcode=9d34d7041&f=693791089#!/profile.php?id=1150923524
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "فلسطين من النهر الى البحر".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestinefromtherivertothesea@googlegroups.com
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestinefromtherivertothesea?hl=ar
No comments:
Post a Comment